الحلبي
479
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
رجليه بين أصحابه . يكرم من يدخل عليه ، وربما بسط له رداءه وآثره بالوسادة التي تحته ، ويعزم عليه بالجلوس عليها إن أبي ، ويدعو أصحابه بأحب أسمائهم ويكنيهم ، ولا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته ، وسأله عن حاجته ، فإذا فرغ عاد إلى صلاته ، وطعن في الحديث الذي ورد بذلك ، وإذا سمع بكاء الصغير وهو يصلي تجوّز فيها : أي خففها . أكثر الناس شفقة على خلق اللّه تعالى وأرأفهم بهم وأرحمهم بهم ، قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء : الآية 107 ] ومن ثم رغب صلى اللّه عليه وسلم إلى اللّه تعالى أن يجعل سبه ولعنه لأحد من المسلمين رحمة له : أي إذا كان لا يستحق ذلك السب في باطن الأمر ويستحقه في ظاهر الأمر . أي وقال صلى اللّه عليه وسلم : « من لا يرحم لا يرحم » أوصل الناس للرحم ، وأقومهم بالوفاء وحسن العهد . وكان صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد » . وكان يركب الحمار : أي وربما ركبه عريانا ويردف خلفه . فعن أنس رضي اللّه عنه : رأيته صلى اللّه عليه وسلم يوما على حمار خطامه ليف ، أي وقد جاء أن ركوب الحمار براءة من الكبر ، وكان يجلس على الأرض ، وكان يشرب قائما وقاعدا وينتعل قائما وقاعدا ، ويصلي منتعلا وحافيا . وفي لفظ : كان أكثر صلاته صلى اللّه عليه وسلم في نعليه وكان يحب التيامن في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله ، وكان يحب السواك حتى لقد أحفى لثته . وكان يكتحل بالإثمد عند النوم ثلاثا في كل عين . وفي لفظ : ثلاثا في اليمنى ومرتين في اليسرى . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « عليكم بالإثمد ، فإنه يجلو البصر ، وينبت الشعر ، وإنه من خير أكحالكم » وكان يعود المساكين ويجلس بين أصحابه . « وحج صلى اللّه عليه وسلم على رحل رث عليه قطيفة ما تساوي أربعة دراهم ، وقال : اللهم اجعله حجا مبرورا لا رياء فيه ولا سمعة » كما تقدم ، وأهدى في حجة ذلك مائة بدنة كما تقدم . وكان يفلي ثوبه ، أي وإن كان من خصائصه صلى اللّه عليه وسلم أن القمّل لا يؤذيه ، ويحلب شاته ، ويخصف نعله ، ويرقع ثوبه ويخدم نفسه ، ويعلف ناضحه وهو الجمل الذي يسقي عليه الماء ، ويقمّ البيت . قال وعن عائشة رضي اللّه عنها : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعمل عمل البيت ، وأكثر ما يعمل الخياطة ، ما يرى فارغا قط في بيته ، إما يخصف نعلا لرجل مسكين ، أو يخيط ثوبا لأرملة انتهى ، ويأكل مع الخادم ، ويحمل بضاعته من السوق ، ويحب الطيب ، ويأمر به .